قصة أمير وفقير
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نييبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الإخوة الكرام اليوم سوف أقدم لكم قصة مشوقة وجميلة ألا وهي ((قصة أمير وفقير )من مقتطفات كتاب ((سياط القلوب )) ل .د . ((عئض عبد الله القرني )) وبعد ذلك نطلق إلى القصة سوية ***خرج علي ابن المأمون الخليفة العباسي ,فأشرف من شرفة القصر ذات يوم ينظر إلى سوق بغداد .
ينظر من البروج العاجية …فطعامه :شهي ..ومركبه :وطي ..وعيشة :هني .
يلبس ما جمل ,ويأكل ما طاب ,وما جاع يوما في حياته ,وما ظمئ أبدا ,وما مست الشمس جبهته .
فأخذ ينظر من القصر إلى الناس في السوق ,هذا يذهب ,وهذا يأتي في حركة دؤوبة ,فلفت نظر الأمير رجل من الناس ,يعمل حمالا يحمل للناس بالأجرة ,وكان يظهر عليه الصلاح والنسك .
فكانت حباله على كتفيه ,والحمل على ظهره ,ينقل الحمولة من دكان إلى دكان ,ومن مكان إلى مكان ,فأخذ يتابع حركاته في السوق ,فكان هذا الحمال إذا انتصف الضحى ,ترك السوق ,وخرج إلى ضفاف دجلة فتوضأ ,وصلى ركعتين ,ورفع يديه إلى الحي القيوم ,سبحان من اتصل به الفقراء والمساكين !
سبحان من التجأ إليه المظلومون والمضطهدون !
سبحان من عرفه البسطاء وحجب كثيرا من الأغنياء والوجهاء!
فكان هذا الحمال إذا صلى الضحى ,عاد فعمل إلى قبيل الظهر ,ثم اشترى خبزة بدرهم ,فيأخذها إلى نهر دجلة فيبلها في الماء ,ويشرب من الماء ويأكل .
فإذا انتهى توضأ للظهر ,وصلى ,ثم دعاء, وابتهل ,وبكى ,ونادى الحي القيوم ,ثم نام ساعة ,وبعد النوم يستيقظ ,فينزل إلى السوق فيعمل ويجتهد ,ثم يشتري خبزا ,ويذهب إلى بيته .
وفي اليوم الثاني يعود إلى هذا البرنامج ,والجدول الذي لا يتغير ,وهكذا اليوم الثالث ,والابع إلى أيام كثيرة .
فأرسل الأمير جنديا من جنوده إلى ذاك الحمال ,ليستدعيه ,ليكلمه في القصر ,فذهب الجندي واستدعى الحمال ,فقال في نفسه :مالي مال جنود بني العباس ؟مالي ومال الخلفاء ؟
قالوا:أمر الأمير أن تحظر عنده اليوم ,فظن المسكين أن الأمير سوف يحاسبه أويحاكمه .
فقال :حسبنا الله ونعم الوكيل ,وهذه الكلمة :سلاح الفقراء ,وسلاح المضطهدين ,وسلاح المظلومين , وسلاح المساكين ,
لكنها تكسر رؤوس الطغاة . .لكنها تحطم الحوجز الحديدية . . لكنها تسق القلاع .
فدخل هذا الفقير على ابن المأمون الأمير فسلم عليه ,فقال له الأمير :ألا تعرفني ؟
فقال: ما رأيتك حتى أعرفك .
قال:أنا ابن الخليفة ,قال :يقولون ذلك ,قال :ماذا تفعل أنت ؟
قال:أعمل مع عباد الله في بلاد الله ,قال:قد رأيتك أياما ,ورأيت المشقة التي أصابتك ,فأريد أن أخفف عنك المشقة ,قال :
بماذا ؟ قال:اسكن معي القصر بأهلك ,آكلا ,شاربا, مستريح ,لا هم ولا غم ,ولا حزن .
فقال: يا ابن الخليفة ,لاهم على من لم يذنب ,ولاغم على من لم يعص ,ولا حزن على من لم يسئ .
أما من أمسى في غضب الله ,وأصبح في معاصي الله ،فهو مصاحب للغم ,والحزن ,والهم ,فسأله عن أهله فقال :أمي
عجوز كبيرة ,وأختي عمياء حسيرة ,آتي بإفطارهما قبل الغروب ,وهما تصومان كل يوم فنفطر جميعا ثم ننام.
قال :فمتى تستيقظ ؟
قال :إذا نزل الحي القيوم إلى السماء الدنيا.
قال: هل عليك من دين ؟
قال: ذنوب سلفت بيني وبين الحي القيوم .
قال :ألا تريد معيشتنا ؟
قال :لا والله .
قال : ولم ؟
قال :أخاف أن يقسو قلبي ,وأن يضيع ديني .
قال : أتفضل أن تكون حمالا في السوق ,جائعا في الشمس ,والعري, والهم ,والغم ,والكلفة ,ولا تكون معي في قصر الإمارة؟
قال: إي والله .
فنزل وتركه .
فأخذ الأمير يتأمله,وينظر ,وهو مشدوه بعد أن ألقى عليه محاظرات الإيمان ,وطرق قلبه بدروس من التوحيد .
وفي ليلة من الليالي اسفاق الأمير من غيبوبته ,وصحا من نومه ,وعلم أنه كان في سبات عميق ,وفي نم طويل ,وأن داعي الله يدعوه ليتنبه.
تــــــــنـبـــــــهوا يـــارقــــود إلى مــــــتــى ذا الجـــــــمــــود
فــهــذه الــدار تــــبـــــــلى ومـــا عـلـــيــهــــا يـــــبـــــيــــــد
الـخــيــر فــيـــهـــا قــلــيــل والــشــــر فــيـــهــــا عـــــديــــــــد
و الــعــمــر يــنــقــص فــــيها والـــــســـيــــئــــات تــــــــــزيــــــد
فــاســتــكـر الــزاد فــيــهــا إن الــطـــريـــق بـــــعـــــيـــــــــــد
فاستيقظ الأمير وسط الليل ,وقال لحاشيته :أنا أذهب إلى مكان ,فإذا أتى بعد ثلاثة أيام أخبروا أبي الخليفة أني ذهبت وسوف ألتقي أنا وإياه يوم العرض الأكبر , قالوا : ولم ؟
قال : نظرت إلى نفسي ,فإذا أنا في غيبوبة ,وفي سبات ,وفي ضياع وضلال ,فأنا أريد أن أهاجر بروحي إلى الله .
فخرج وسط الليل ,وقد خلع لباسه ,ولبس لباس الفقير ,ومشى في الطرقات ,واختفى عن العيون .
ولم يعلم الخليفة ,ولا أهل بغداد أين ذهب الأمير .
وعهد الخدم به يوم ترك القصر أنه ركب إلى واسط ,كما يقول أهل التاريخ ,وقد غير هيئته وأصبح كهيئة المساكين ,وعمل
مع تاجر التجار في صنع الآجر.
فكان له أوراد ,في الصباح يحفظ القرآن ويصوم الأثنين ,والخميس ,ويقوم الليل ,ويتصل بالحي القيوم ,وما عنده من المال مايكفيه يوما واحدا .
فذهب غمه وهمه, وذهب وذهب حزنه,وذهب العجب ,والكبر ,والخيلاء من قلبه .
(((أزمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ))) (سورة الأنعام :122) .
ولما أتته الوفاة أعطى هذا التاجر خاتمه ,وقال :أنا ابن الخليفة المأمون فإذا مت ,فغسلني ,وكفني ,وقبرني ,ثم سلم هذا الخاتم لأبي .
فغسله وكفنه وصلى عليه ,ودفنه ,وأتى بالخاتم إلى المأمون .
وكان قد ظن أن ابنه قتل في مكان ,أو فقد ,أو ذهب على وجهه في مكان لايدري عنه ,فلما رأى الخاتم شهق وبكى حى ارتفع صوته فسأل التاجر عنه .
فقال له الخبر .
فارتفع صوت الأمير الخليفة والوزراء بالبكاء,وعرفوا أنه عرف الطريق لكنهم ما مشوا معه في الطريق (((فن يريد لله أن يهديه يشرح صدره للإسلام )))) (الأنعام :125 ).
هذه القصة من قصص التاريخ ,أثبتت, وحفظت ,ونقلت لمن كان له قلب ,أو ألقى السمع وهو شهيد .
